"今度は今度、今は今"
"المرة القادمة هي المرة القادمة، والآن هو الآن"
كانت الكلمات التي تركها "هيراياما" لابنة اخته، متجنباً تقديم أي وعود، أو متهرباً منها، وكذلك الحال في سائر الفلم، فمنذ بداية فلم "أيام مثالية Perfect Days" الهادئة، إلى نهايته الكاشفة، لا يحاول أحد أن يبيعنا وهم اللحظة القادمة، كل ما هنا يتم تقديمه حافياً، عارياً، ولا يدع للمشاهد فرصة تشكيل مخيلة تناسبه، ولا تمني سيناريوهات تخلص الشخصيات من واقعها. يكفي أن نشاهد رجلاً بسيطاً يعيش حياة روتينية، ونترك الشاشة السوداء ونحن نحمل ظلاً عابراً لذكراه، وتساؤلات عما يدفع رجلاً مثله ليعيش حياة كتلك!
الحقيقة هي أن Perfect Days حضرني كذكرى بعد أن شاهدت فلماً يابانياً آخر، أو فلنقل شبه ياباني، لا لتشابه بينهما، فكلاهما يحكي قصصاً مختلفة، لشخصيات لا تشبه بعضها، متناولين قضايا لا تتقاطع، ونهايات متناقضة! ولكنني تذكرت الفلم لأنه قام بما عجز عنه قرينه، وما نسته المخرجة، أو تناسته ربما، لصالح تقديم فلم قادر على خطف القلوب، حتى على حساب تقديم فلم عظيم!
ملخص (لا يغني عن مشاهدة الأفلام كاملة):
أيام مثالية Perfect Days يتناول الحياة اليومية لمنظف مراحيض في طوكيو، والرضا الذي يغمر الخمسيني (؟) في حياته الروتينية بين الموسيقى في شاحنته فجراً، وكتابه على حصير منزله مساءًا، واللقاءات العابرة بينهما، ليكشف لنا بهدوء يغمر كل تفاصيل الفلم عما يخفيه هيراياما خلف ابتسامة القناعة!
عائلة للإيجار Rental Family يحكي قصة فيليب، ممثل أمريكي في طوكيو، تنتهي به مسيرته المتخبطة للعمل في وكالة ل"تأجير البشر" لتمثيل أدوار في حياة العملاء، غالباً لملء فراغ في حياتهم. ينتهي الأمر بانخراط فيليب مع عملائه وتعلقه بهم عاطفياً، وتعلقهم به كذلك، والخروج عن دوره الرسمي كممثل، فيلعب دوراً أكبر في حياتهم، مغيراً مصائرهم، ليصل التغيير في نهاية الأمر إلى الوكالة التي أعادت تعريف مبادئها، وأعاد معها فيليب ترتيب حياته، لتتخذ شكلاً لم يخطط له!
انطباع
لا أريد الحديث عن "Perfect Days" هنا، الفلم أكثر من رائع، والحديث عنه يتطلب قدراً من الشاعرية، والفلسفة، التي لا تحتملها هذه المقالة، ولكن حضوره هنا يأتي من باب المقاربة، أو فلنقل بحثاً عما ينقص الآخرين منه، وأكتفي بتوصية بالمشاهدة! ما دفعني للكتابة هو "Rental Family"، لا لأنه فلم سيء، أنا لا أنهي الأفلام السيئة، ولا الكتب السيئة، ولا أعيد النظر في الأغاني السيئة حتى! على العكس، هو فلم جيد، لُبّه خلّاق، ويتناول قضية قد تمثل صدمة ثقافية لمن لا يعرف شيئاً عن اليابان، وهي التفاتة ذكية من المخرجة، كانت كفيلة بجذب الانتباه! يقدم الفلم اليابان دون محاولة لتزييف الجمال، ويخرج من طوكيو إلى قرية الشيخ وحنينه، ويبقى فيها مع تنوع شخصياته ودوافع كل منها للتعامل مع وكالة التأجير. الحقيقة هي أن أنني لم أكن لأكتب عن الفلم لو أنه اكتفى بثلثيه فقط، ونهايته السعيدة للغاية، والمتوقعة للغاية، والسطحية للغاية هي مربط الفرس! لا أعلق على الممثلين عادة، ولن يكون اليوم استثناء. لا أجيد تملق الممثلين، ولا يهمني إلا أن يكونوا جيدين بما يكفي فحسب، الأفلام السيئة لا تنقذها المواهب ولا يسعفها المشاهير، والأفلام الجيدة تفرض نفسها بكوادر شبه مجهولة!
فلم شبه ياباني
ما يمكنني أن أقوله لتلخيص Rental Family هو أنه فلم أمريكي ب"كيمونو" ياباني! المفارقة الطريفة هنا هي أن مخرج Perfect Days ألماني، استعان بكاتب ياباني لمشاركته في السيناريو، ولكنه بقي وفياً ليابانية الفلم، واقفاً منها موقف حياد مخلص وممتن، منشغلاً قبل كل شيء بأن يحكي قصة، لا بأن يقول لنا أي شيء، حتى صدمني للغاية أن أعرف أصل المخرج، وباعه الطويل في السينما الألمانية!
يبدأ الإشكال عندي في التبديل غير المنطقي بين اليابانية والإنجليزية طيلة الفلم، وهو تفصيل قد لا ينتبه له من يتابع الترجمة أو الدبلجة، ولكنه أزعجني للغاية سمعياً، ولم يقنعني في سياقه، لا لأن اليابانيين شعب لا يجيد الإنجليزية فحسب، بل لأن الشخصية الرئيسية يفترض أنها تجيد اليابانية، ولكنها بالكاد تستعملها، ولا تقنع من حولها بمواصلة الحوار كاملاً باليابانية! أتفهم تماماً الحاجة الفنية لهذا الحل، فالممثل لا يجيد اليابانية في نهاية الأمر، ولكن ما المانع من توظيف ممثل يجيدها (وهم كثر في اليابان)؟ وما الحاجة لشخصية أمريكية أساساً؟ وهما نقطتان سنمسهما لاحقاً.
اللغة هنا مجرد مثال بسيط على أمريكية الفلم، ولكنها سهلة التجاهل، ويمكن التسامح معها! ما يفشل فيه الفلم هو وقوعه في فخ إحدى أكثر الأنماط السينمائية شيوعاً: عقدة المخلّص الأبيض! يحب الأمريكان هذه العقدة أكثر من غيرها؛ الاحتفاء الذي لاقاه الفلم نابع في أساسه من قدرته على تحريك عواطف البطولة والفوقية، فحين يدخل الرجل الأبيض لحياة مجتمع غريب كمنقذ، ليحل لهم مشاكلهم التي يعجزون عن التعامل معها بأنفسهم، ويعيد تعريف المبادئ والأخلاق مستبدلاً ثقافة المجتمع بثقافته هو، يشعر الأمريكي بالنصر، ويشعر المهزوم بالخلاص! وصفة سهلة حضورها طاغٍ على هوليوود، ونجاحها شبه مضمون!
ربما لحياة المخرجة الطويلة في الولايات المتحدة دخل هنا، ولكن حياتها ليست ما يهمنا، بل انعكاسها على العمل الفني الذي لم تنج شخصياته من عنجهية الأمريكي الودود الذي حاول أن يفرض معاييره الأخلاقية الخاصة على كل من حوله! الفلم واقعي من هذه الناحية، الأمريكان يتصرفون هكذا في الواقع، ولا يستطيعون أن يروا إلا أنفسهم حتى وهم ينظرون إلى الآخرين، ولكن الإشكال هو أن تستسلم المخرجة لعنجهية شخصية خلقتها.
يتحرك فيليب في الفلم دون أدنى اعتبار للمجتمع حوله، ولا لمشاعر الآخرين الذين يزعم أنه يحبهم ويهتم بهم للغاية. فهو حين يصر على مصلحة الطفلة، ويتمعن في التودد لها وإرضائها، يتناسى أنه يتعمق في الكذب عليها مضاعفاً آلامها اللاحقة. وحين ينتقد والدتها على تحديد مصير حياة ابنتها كلها بقرار اختيار المدرسة، فهو يبذل أيضاً قصارى جهده ليضمن نجاحها في الاختبار واجتيازها للمقابلة. حتى انتقاده لمبادئ الوكالة وأصحابها يتبعه تفانٍ في تنفيذ سياستها بالكذب على عملائه. ليس الأمر وأنني أبرر للثقافة اليابانية، أو أزعم أن المبادئ صائبة لمجرد أننا مختلفون ولكل طريقته. إلا أنني في الوقت ذاته أرفض التعامل السطحي معها، وهشها بجمل عابرة كتبرير رئيس الوكالة لأسباب ظاهرة "تأجير البشر" برجعية اليابانيين وعدم تقبلهم للعلاج النفسي بعد! هذا الطرح يتجاهل كل شيء، لا ليرى المجتمع وظواهره كما هم، بل كما يراها من يأتي من الخارج: مشاكل محتاجة لإصلاح.
حتى الشخصيات الجانبية تفقد عمقها وخصوصيتها فجأة، وتتغير دون سابق إنذار، استجابة لدعوة "المخلص الأبيض"! هذا النوع من الأفلام يسعى جاهداً لتقديم نهايات سعيدة على حساب أن يسرد قصة، وهذا النوع من القصص قادر على دغدغة المشاعر، لا لأنه يكشف لها عالماً جديداً نجحت القصة وشخوصها في تقديمه، بل لأنها أعطت المشاهد ما يريد تماماً؛ نهاية مرضية تلائم حقيبته الأخلاقية وتصوره للعالم المثالي، نهاية تصالحية، لا يؤثر على سعادتها الغامرة موت إحدى أهم شخصياتها، ولا يفهم معها المشاهدُ الآخرَ، بل يشعر بالرضا عن نفسه، وعن المخرج، وينغمس في وصف بكائيات الممثل الرئيسي، وقدرته على استجداء القلوب!
ما علاقة Perfect Days بكل هذا؟ القليل، والقليل جداً، ولكنه قليل مهم! ما نجح فيه الفلم هو قدرة المخرج على ترك الأمور تسير في مسارها. وبخلاف ما قد يقوم به مخرج غربي حين يحكي عن شرق آسيا، فهو لا يهتم بتقديم فلسفة ما، حتى الشخصية الرئيسية في حياتها اليومية التي تعطي انطباعاً بالرضا والقناعة لا يتم تقديمها في صبغة تنويرية، ولا دروس روحانية خلفها، بل ويتكشف لنا في نهاية الأمر كيف أن هذه البساطة لم تكن إلا هروباً لشخصية مثقلة بتاريخ لم يكشف لنا إلا القليل منه، شخصية تعيش الوحدة والتقشف اختياراً، وتنهي فلمها باكية، دون البحث عن خلاص، ودون محاولة إرضاء جمهور لا يعرف عنها إلا روتينها اليومي!
ربما، وربما فقط، لو تعاملت المخرجة مع Rental Family بشكل آخر لخرج فلم أكثر إبهاراً، أي لو تركت الرجل الأبيض يفشل في محاولاته التنويرية، أو لو تركت المجتمع يستكشف عيوبه ويعالجها بنفسه، بصراع داخلي ينتج عن شخصيات يابانية لا تحتاج إلى مخلص خارجي. شخصيات تفهم نفسها، وبمقدورها التعمق في واقعها، والبحث في الاحتمالات الكثيرة الممكنة عن كيف تستكشف القصة، دون أن تكون اعتذارية الطابع، أو مثالية الخاتمة.
في نهاية الأمر، يقدم لنا مخرجان لا يعيشان في اليابان، فلمين عن اليابان، ويخرج عنهما فلم ياباني واحد! أن يكون الفلم شبه ياباني ليس بالأمر السيء، وأن يحاول المخرج أن ينتج فلماً يغطي نفقاته مبرر كذلك، ولكن الأفلام العظيمة، كجميع الأعمال الفنية العظيمة، لا تنشغل بإرضاء الجمهور، ولا تقع أسيرة لأيدولوجياتها الضيقة، بل تحاول استكشاف الإنسان، والحياة، والثيمات والصراعات التي يعج بها هذا العالم، دون أن يفرض صانعها نفسه عليها، ودون أن يشعر المتلقي بالحرج من أن ينظر إلى الآخر، ويرى فيه ما لا يشبهه، وما يشبهه، وما يقول له شيئاً جديداً حتى عن أكثر التفاصيل الممكنة اعتيادية!