عن فن الرواية وكتب أخرى
عن فن الرواية وكتب أخرى
كنت قد قرأت خلال الأسابيع الماضية مجموعة كتب ذات ثيمات متقاربة، أو فلنقل أنها كانت لغاية معينة، وشعرت بعد انتهائي من إحداها قبل أيام بحاجة للكتابة عن بعضها، وتحديداً عن الأعمال التي تتناول الرواية ذاتها. هي انطباعات كتبتها على الهامش، وقد يكون فيها ما يفيد.
تقنيات كتابة الرواية - نانسي كريس
الحقيقة هي أن لا أدنى فكرة عندي عمن تكون نانسي كريس، بحث بسيط على ويكيبيديا يؤكد أنها فازت بعديد الجوائز الأدبية عن رواياتها القصيرة، إلا أن أياً منها لم يترجم إلى العربية. جهلي بها جيد على أي حال، فقد ساعدني على تكوين نظرة أكثر موضوعية للكتاب بناء على المحتوى، لا هوية صاحبته. والحق يقال، هذا كتاب متقن، ويستحق القراءة، بكل بساطة.
بخلاف بقية الكتب في القائمة فهذا الكتاب مباشر في طبيعته، ويتناول عملية الكتابة ذاتها عوضاً عن محاولة التفلسف في طبيعة الرواية، أو تقديم تجربتها الخاصة معها. تتناول فيه الكاتبة ثلاث مواضيع رئيسية: بناء الشخصيات، العاطفة، تقنيات السرد. وباستثناء الفصول التي تناولت فيها العاطفة (والتي لم تقدم فيها جديداً وقلبت صفحاتها دون اكتراث) كان في القسم الأول والثالث الكثير من الحنكة، وأكثر من كل شيء، الكثير من التنظيم. لنانسي كريس قدرة مذهلة على تنظيم أفكارها، ولو أنني حاولت الكتابة عن بناء الشخصيات لما وجدت ما أقوله أفضل منها، والأهم من كل هذا، ما كنت لأجد الكم المذهل من الأمثلة التي اقتبستها من عديد الروايات لتوضيح أفكارها أكثر.
الحقيقة هي أن الكتاب، بالذات في قسميه الأول والثالث، لا يعنى فقط بالكتّاب، بل قد يكون مفيداً للغاية ليكتسب القارئ عقلية ناقدة تساعده على فهم الخدع الرخيصة في الروايات الرائجة والرديئة، ومن هذا المنطلق بالذات ينبغي على الكاتب تناول الأفكار التي فيه. الكتاب مليء بالنصائح المباشرة، وفي نهاية كل فصل فيه تمارين (بدت لي كواجبات مدرسية، فتجاهلتها ببساطة)، وفيه كم معلومات مهول قد يثقل الكاتب إذا ما حاول أخذها في الاعتبار في الوقت ذاته. كل ما في الأمر هو أن ثمة نمط تفكير معين بالإمكان الاستفادة منه في مجمل نصائح الكتاب. الكتابة في نهاية الأمر فعل إبداعي، ومحاولة الامتثال لقواعد مسبقة، أو الأخذ بوصفة محددة، حتى لو كانت مستلهمة من كتاب جيد، ستعيق عملية الإبداع ذاتها. الحس السليم عند الكتابة يؤخذ من القراءة والتجربة، المعلومات النظرية مفيدة إلى حد محدود، ولكنها لا تصنع الكاتب.
فن الرواية - ميلان كونديرا
قد يكون هذا الكتاب أحد أسوأ الكتب التي تحمست لقراءتها، ربما لا يتفوق عليه في السوء إلا الكتب التي دمرها المترجمون الرديئون (أذكر هنا ضجيج الجبل لياسوناري كواباتا و عاصفة الأوراق لماركيز) ولكن العلة في هذا الكتاب ليست الترجمة، بل الكاتب ذاته. من المهم هنا التفريق بين كونديرا الروائي، وكونديرا المفكر/الناقد، رواياته يحكم عليها على حدة، وهي محبوبة بالفعل، ولكن كتاب "فن الرواية" لم يتناول لا الفن لا والرواية، بل كان مجموعة مقالات وخطابات ومقابلات جمعها كونديرا هنا، ولا إشكال في هذا بحد ذاته (إلا في الخطاب الأخير لتسلمه جائزة القدس). أجد صعوبة في انتقاد الكتاب دون تجريح حقيقة، ولكن أسهل ما يقال هو أنه "فلسفة"، ولا أقصد هنا المعنى الأصلي. لطالما لفت انتباهي كيف أن العرب يستخدمون مصطلح "الفلسفة" خارج سياقه، إحدى أهم معانيها في السياق العربي العام هو: الزيادة والمبالغة والتعقيد ومحاولة إضافة قيمة غير أصيلة أو إظهارها. لاعب الكرة الذي يبالغ في الاستعراض ويقوم بحركات معقدة/غبية تضيع معها الفرصة يعتبر متفلسفاً، تماماً كمن يحاول التظاهر بقدرته على إصلاح سيارة ويتسبب في تخريبها أكثر. كل ما يقوله الناس لحظتها هو "فلسفة"، هكذا حافية، ويفهم الجميع ما يعنيه الآخر، وحين قرأت كتاب كونديرا قلتها كذلك حافية "فلسفة"، ولم أقدر على الانتهاء من أي من الفصول.
ميلان كونديرا في كتابه هذا نسخة لا تبلع ولا تهضم للمثقف الأوروبي المتعالي الذي لا يرى في الوجود سواه ويصر على أن ينظر إلى العالم بعدسة أوروبية بحتة. مبالغة غير طبيعية في الفلسفة والتقعر في الكلام واستحضار مفاهيم فضفاضة ومتكررة كالروح أوروبية والرواية الأوروبية ووو. بالنسبة لكونديرا، فالعالم غير موجود خارج أوروبا، وكافكا هو سيد رواة العالم، وإذا لم تقرأ رواياته فأنت لا يجب أن تسمع ما يقول (وهو محق في هذا، فمن لم يقرأ "كل" رواياته ويحفظ أسماء شخصياتها سيتوه بسهولة في هذا الكتاب، فهو يتحدث دائماً على افتراض أن الكون كله يعرف من يكون وماذا فعلت شخصياته) ولا أفهم إطلاقاً سر احتفاء الناس بهذا الكتاب وتوصياتهم المستمرة.
مهنتي هي الرواية - هاروكي موراكامي
موراكامي كاتب ممتع، ومعروف، وهذا ما أوقد فيّ رغبة أكبر للتعرف عليه وعلى فلسفته الروائية (هذا المرة أعني الفلسفة بأصلها الإيجابي هههه) كان كتابه هذا مجموعة مقالات طويلة، نشر نصفها سابقاً، وكتب النصف الآخر لهذا الكتاب. يتناول موراكامي في كتابه عديد المواضيع، من نظرته للرواية عموماً، إلى تجربته الشخصية، وإلى تفاصيل كثيرة عن حياته هو، مثلت في مجملها نافذة إلى الكاتب نفسه، ساعدتني لاحقاً في فهم رواياته، وأنا أعني هذا بالمعنى الحرفي. قرأت روايته "جنوب الحدود، غرب الشمس" مباشرة بعد هذا الكتاب، ورأيت أنها أقرب إلى شبه سيرة ذاتية، كان موراكامي بطلاً يكتب عن نفسه. ولا عيب في هذا بالطبع، كلنا نكتب بناء على تجاربنا الشخصية، ولكن رؤية ما خلف الكواليس تفقد النص سحره في نهاية الأمر. هذا الكتاب تحديداً لا يمكن الحكم عليه بناء على الاتفاق في الرأي أو مخالفته، هي فقط تجربة روائية تؤخذ كما هي، وتمثل فرصة للتعلم. ولكن هذا لا ينفي أن قراءة الكتاب نفرتني قليلاً من موراكامي الإنسان، لا أظنني كنت لأفضل مصاحبة شخصية مغرورة مثله، حتى وإن أصر الناس على أنه خجول الطبع، ولم أشعر بما يجذبني للتعرف عليه أكثر كإنسان. كانت لي تجربة مختلفة مع كتاب "عشت لأروي" لغابريل غارسيا ماركيز، وهي سيرة ذاتية كشف فيها ماركيز الكثير، حتى عن عربدته منذ الصغر، وعن كل الأسرار التي فسرت مصدر السحرية في رواياته. الحقيقة هو أنه أحد أكثر الكتب التي أثرت في، وقد أكتب عنه لاحقاً، ولكن المغزى هو أن الكتاب جعلني أشعر برغبة أكبر في التعرف على ماركيز الإنسان. في نهاية الأمر، لا يهمنا كقراء طبع الكاتب، بل محتوى ما يكتبه، ولكن هذا لا ينفي أن في معرفة ما خلف السطور إلهاماً يساعد على الكتابة.
إضافة أخيرة
من الجدير بالذكر هنا هو الغياب (شبه) التام للتنوع عند الروائيين الذين ذكرتهم أعلاه، نانسي كريس ركزت على الأدب المكتوب بالإنجليزية فقط (الاستثناءات قليلة) وكونديرا أسكر نفسه بتفوق ورقيّ ونقاء الرواية الأوروبية، وموراكامي لم يجد خارج الرواية اليابانية إلا الأوروبية للاستلهام، وكل هذا مؤسف. لم يأت أي منهم على ذكر الرواية اللاتينية، ناهيك عن الروسية التي ذكرت لفافاً، والآسيوية والأفريقية التي لا يملك أي منهم فضولاً للتعرف عليها أصلاً. أجد في هذا ما يفترض أن يساعد الكتاب العرب على التميز، فبجانب المحلي، عندنا انفتاح كبير على العالمي كذلك. حين أتحدث إلى الألمان (كبار السن تحديداً) عن الرواية يتفاجؤون لأني أعرف أصلاً من يكون تشيخوف ودوستويفسكي وتولستوي وكافكا وهوغو وغيرهم من الكتاب الأوروبيين الكلاسيكيين. وليس في الأمر انتقاص منهم لي، بل تعجبهم النابع من التفاجئ بأن يعرف أحدهم عن الأدب خارج قوقعته المحلية. شخصياً لم أجد في أوروبا متعة إلا الأدب الروسي، الأدب الألماني ممل، خصوصاً بعد الحرب العالمية، وباستثناء كافكا، لا أعرف ما إن كان أي شيء في أوروبا يستحق القراءة، حتى وإن كرر ميلان كونديرا قوله أن الرواية أوروبية الأصل، بل أتجرأ على القول أن الأدب الأمريكي أجمل، واللاتيني يتفوق على كليهما. في نهاية الأمر، هي مسألة أذواق، والفن للجميع، ولكن العولمة لا يجب أن تكون ذات اتجاه واحد، في هذا العالم تنوع وجمال يفوق الوصف، وأعتقد أننا نملك فرصة أكبر في التفوق لو أدركنا كم هو ملهم أن نقرأ لكتاب من كل أنحاء الكوكب، لا الأوروبيين فحسب.