علق في ذهني مشهد من فلم Super 30 الهندي، يشتكي فيه أبناء الأغنياء معلمهم الذي قرر -لأسباب أترك للفلم ذاته شرحها- تقديم دروس مجانية للفقراء عوضاً عنهم. لا أميل عادة للأفلام الهندية، وحتى العربية. يميل العاملون في المجال السينمائي اليوم في العالم كله، وهم ذاتهم أبناء بيئة سينمائية سبقتهم، إلى الانغماس في الترف وإظهار ملامحه، يعيش هؤلاء في قوقعة بالكاد يعرفون أن العالم يموج خارجها، ويغرقون أنفسهم في أعمالهم ببؤسهم الخاص، ذاك البؤس الذي يتمناه المسحوقون الذين يشاهدون هذه الأعمال. الأفلام الهندية تحديداً أشد انفصاماً لهوسها بالبشرة البيضاء واللغة الإنجليزية، وقلما يخرج فلم جيد يبحث في حياة الناس، مثلي ومثلك، عن حكايا تستحق السرد، ووجوه تترك لماضيها أن يشكل ملامحها. ينتهي الأمر بأبناء الأغنياء في الفلم إلى ادعاء المظلومية؛ ميّز المعلم ضدهم لأسباب ليست بأيديهم في نهاية الأمر، وهم محقون في هذا تماماً. فالقليل، والقليل فقط، رهن إرادتنا، والباقي لعبة حظ، يعجبني مصطلح الأقل حظاً عند الإشارة إلى المعدومين، هي فعلاً لعبة حظ، الفارق فقط هو في قدرتنا على تمييزه من عدمها.
لا أتحدث عن الحظ إلا في خيالاتي غالباً، هو إحدى المحرمات التي لا يجوز إلا لدرويش ورفاقه بعثها في الشعر، وكلما تعثرت وجدتني متلكئاً، أبحث عن حظ قديم أعلل به سقوطي اليوم، وأبحث عن مغفرة لتذمري وتكبلي الوشيك بأمنيات العويل. كنت محظوظاً إذ ولدت، وكنت محظوظاً بدلال الطفولة، كنت محظوظاً بالعلم، وكنت محظوظاً بالرفاق الذين انتشلوني في كل مدينة ومن كل يأس، كنت محظوظاً بالترحال، وأكثر من كل شيء، كنت محظوظاً بالحب، ولكن الحظ، كل الحظ، انتهى دفعة واحدة بعد أن وجدت الحب، حتى أيقنت أن مخزونه نضب، ولن يعود.
أقترب من الثلاثين، في الثلاثين يكون المرء، ولكنني أقترب من أكون ثلاثينياً لا يعرف كيف يكون حتى. لا أعرف كيف سأشيخ دون عشيرينياتي، عمر ضائع، ريعان الشباب عمر ضائع، وجسد متهالك، ودوائر مفرغة لا تؤدي إلا إلى البطالة، والوحدة الباردة التي تشبه ألمانيا. في لحظات كهذه فقط أفهم الفيزياء، للضوء سرعة ثابتة، خاطفة، بالكاد ندركها بعد وقوعها، ولكن الضوء ذاته، بجزيئاته عديمة الوزن، عالق في الزمن، ولا يسعه إلا أن يرى الوقت حوله يمضي، والعالم حوله يهوي إلى المستقبل. في لحظات كهذه فقط أفهم، وفي لحظات كهذه فقط أرى عشرينياتي وقد مرت كالبرق، كانت ثقيلة الوقع، تطبق على صدري، وتضيق على عنقي، وتشبه تداعيات البكاء، وهأنذا عالق فيها، أو هي عالقة فيّ.
ليس الأمر وكأنني استسلمت لليأس، تعالجت من اكتئابي سابقاً، ولا رغبة فيّ لخوض مغامرة أخرى معه لن تنتهي إلا بعد أعوام، صخرتي لا تشبه صخرتك يا سيزيف، وجرفي لا يشبه جرفك، ولكنني لم أعد أعرف كيف يكون الأمل. يشبه الأمر الإبحار، لطالما تخيلت نفسي بحاراً، قرصاناً غالباً، ومنغمساً مع أقراني في موسيقى عبثية وروائح البهار والتبغ في الموانئ البعيدة، وأهم من كل شيء، لطالما كنت متمسكاُ بمقدمة السفينة، مقدمة السفينة تشير إلى الأفق، واحتضانها فعل أمل، بحث حثيث عما تخبئه الشمس العائمة، والأمواج المضطربة، ولكنني وصلت إلى بحر لا نهاية له، كلما تخيلت الشاطئ القادم انصدمت بسراب يتلاشى، ظننت السراب خدعة صحراوية، وعرفته في كل شيء إلا الصحراء. لا فائدة من التمسك بالأفق إذاً، ربما أرسو ذات يوم، ولكن لا فكرة لدي عن معنى الأمل، ولا رغبة لدي في البحث عن عنه، ولا أحلام قابلة للتشكيل كتلك التي عرفتها قبل العشرين.
تفتتح أغنية يابانية بؤسها بأن تقول: أكتب هذه الحكاية لأنني لا أريد أن أموت، للأغنية اسم يشبهني "رجل لا فائدة منه"، ولكنني لا أصرخ مثل صاحبها، وأكتفي بالكتابة صامتاً، ووحيداً، فالكتابة فعل لا علاقة له بالحظ، فعل مناهض للموت. ما يأتي بعد الكتابة حظ محض، ولكنني ما عدت أرى ما بعد النهايات، وهذا جيد. سأكتب في نهاية الأمر، وسأحتفل بتثاقلي، وبتضجري، وباللعنة التي لا طقوس تكفي لرفعها. سأكتب لأن الحظ كان معي، ولأن الحظ هجرني، وسأنهي عشرينيات البؤس يوماً ما، وسأشيخ، وسأتذمر كثيراً، وسأتذمر أكثر وأنا أقرأ هذه النص، وربما أوصي بأن ترفع على شاهد قبري هذه الأبيات:
إنّ حـظّي كـدقيـقٍ فـوقَ شـوكٍ نـثروه
ثـمّ قـالوا لـحُـفـاةٍ يـومَ ريـحٍ اجمعوه
صعُبَ الأمرُ عليهمْ قلتُ يا قومِ اتركوه
إنّ من أشقاهُ ربِّي كيفَ أنتم تسعدوه؟
- إدريس جمّاع