على بعد نصف ساعة من حيّنا، وبالقرب من قلب ميونخ، يختبئ نادي جازٍ بسيط -واحد من قلة متوزعة في المدينة- ويحدث أننا نتردد عليه كلما داهمنا الملل. الوصول إليه سهل نسبياً، ولولا أنه مدفون تحت سلالم ومغارات، أسفل بناية لا يميزها شيء، لكان أكثر شهرة ربما، ولكنه دائماً ما يحجز كاملاً، وبوجوه جديدة تملأه في كل مرة.
كنا العرب الوحيدين غالباً، الخليط هناك أوروبي الملامح، وبالكاد تخترقه وجوه شرق آسيوية عادة ما تأتي في أسراب. لا ضير، الجاز غريب عنا، وغريب هنا، والمقاعد الممتلئة قد لا تعدو قلوباً ضجرة لا تجد ما تفعله في ليالي ألمانيا الرتيبة، حيث الأضواء خافتة، والمحلات مغلقة، والسكارى يمسكون بخاصرة الظلام، ويصرون على أن في إدمانهم ثقافة لا يفهمها أمثالنا من الغجر. الطاولات خلفنا كانت تدب بالأسبان الذين لم يولوا الموسيقى أي اهتمام، وكشرق الآسيويين، أتوا أسراباً بدورهم، وانعكست في عيني العجوز التي شاركتنا الطاولة وحدة الألمان، لم تبادل أحداً الحديث، ولم ترفع عينيها حتى لمقابلة ابتسامة معتذرة لامرأة زاحمتها في المقعد المجاور. العالم هكذا في نهاية الأمر، أفواج تغرق الفرد في صخبها، ووحدة صارخة بالكاد تملؤها علاقات عابرة، وفي المنتصف كنا نحن، متشبثين بهذا المنتصف، ومتحسسين انتماءنا للآخر في ناد للجاز، بالكاد تكفي الأضواء فيه للتعرف على الأكواب في لمعانها، وعلى الوجوه في ترددها يمنة ويسرة (أو ربما إلى الأمام والخلف؟) على وقع الموسيقى.
الحقيقة هي أن ليلة البارحة لم تكن ليلة مثالية للجاز؛ غالباً ما نذهب لجلسات الجاز المرتجلة Jam Sessions، لأنها شبه مجانية بالطبع، وإن كنا نميل إلى تجربة شيء جديد كل مرة في قائمة الوجبات. لا أخفي رغبتي في تجربة فرق جاز احترافية، إلا أن الحسابات البنكية تشكل ذوق أصحابها في نهاية الأمر، حتى في الفن، ولكن ما جذبنا أكثر من كل شيء هو الروح التي تنفرد بها جلسات كهذه عن غيرها. الجاز بطبعه فن حر، يكسر رتابة وصرامة الموسيقى الأوروبية، خصوصاً الكلاسيكية، وتتفاعل مكوناته مع بعضها، الآلات مع الآلات، الآلات مع البشر، البشر مع البشر، والبشر مع الجمهور. الحقيقة هي أن علاقتي مع الجاز غريبة نوعاً ما، فهو أقرب ما أنتجته الموسيقى الغربية إلى قلبي، ربما للتأثير الأفريقي الأصيل فيه، ولكنه كذلك أقل الألوان الموسيقية التي ترافقني في يومياتي. للأمر علاقة بطبعي الملول غالباً، ولكن أكثر من كل شيء، بطبيعة الجاز ذاتها، هذا الحوار الموسيقي الذي يجعل من الجمهور جزءا من الأداء، حتى يرغب الجميع، بما فيهم أنا، لو يصعد إلى المسرح ليجرب حظه مع توليفة قد لا يراها مرة أخرى في حياته.
راودتني البارحة رغبة في العزف، وتخيلت العود جزءاً من إحدى المقطوعات. لا أفهم الموسيقى، مرت علي محاولات لعازفي عود على وزن الجاز، ولكنهم لم يحركوا فيّ شيئاً، ربما لأنهم لم يفهموا الجاز، أو لم يفهموا العود، لا أدري، ولكنني تمنيت العود جزءاً من حفلة البارحة، فأنا وإن لم أكن أفهم الموسيقى، كنت قادراً على أن أقول بصراحة أن ليلة البارحة لم تكن مثالية للجاز. تهت في أفكاري مع المقطوعة الأولى، وحاولت جاهداً التمسك بالموسيقى، بهنا والآن كما أكدت المعالجة النفسية مراراً، وفي ما يشبه الوحي، قررت أن هذا التيه، وكل ذاك السرحان، هو تماماً هدف كل ذاك العزف، أي أن تغمرني الموسيقى حتى أجدني أمام نفسي، وأستفرد بأفكاري، وبرغبتي الجامحة في المشاركة في كل هذا الإبداع، ولولا تخبط المقطوعات لكان لوحي البارحة وقع أقرب إلى نبوءة برواية قادمة.
حتى هذا القصور جزء أصيل في طبيعة الجاز، جلسات الارتجال تعني أن يجرب رجال ونساء لا يعرفون بعضهم أن يخوضوا حواراً موسيقياً، ويقنعوا الجمهور بأن ما يسمعونه مميز، ولحظي، وقد لا يتكرر في التاريخ البشري كله. العازفون الماهرون قادرون على تجاوز هذا الأمر بسهولة، أو على الأقل، يبدو الأمر سهلاً حين أنظر له من مقعد مظلم وبعين ناقدة، ومن الطبيعي أن لا ينجح الأمر دائماً، عازفو الطبول تحديداً هم الأقدر على ربط عناصر هذه التوليفات ببعضها، ولكنهم غالباً ما يفشلون أمام نزعاتهم الذاتية، فيبدأون في استجداء انتباه الجمهور بخفق صاخب. جلسة البارحة كانت من هذا النوع الذي لم يوفق فيه العازفون، لا بذاتهم، ولا فيما بينهم، ولا حتى في اختيارهم للمقطوعات. كل هذا طبيعي، ومتوقع، حين يجرب الهواة حظهم في هكذا ليال، ضرب حتى الأطفال والمراهقون على الطبول، ولا يمكن لمن دخل بالمجان أن يشتكي.
ما أزعجني حقيقة هو أوروبية الجاز الذي عشته البارحة، الأغاني بالإنجليزية (وهذا جيد!)، بعض المقطوعات معروف، ولكن كل شيء بدا غريباً، جلس عازف الجيتار الكهربائي بملامح محايدة لا تنبئ عن أي استمتاع، اقتحم عجوز الساحة بكرش مدورة وشعر شعث، حتى خلته أحد المجانين الذين نعرفهم في الأفلام، ولكنه كان عادياً جداً على الناي.أما المقطوعات الأصلية التي عزفتها الفرقة التي افتتحت الليلة لم تشبه الجاز إلا بالآلات. يحب الأوروبيون التجريب في الفن، الفن بطبعه محاولة تحرر وتعبير عن الذات، ولكنه هنا متحرر أكثر مما يمكنني أن أتحمل، ويفقد قدرته على أن يحتفظ بهويته خارج هذا الإطار التجريبي. قدمت مؤلفة المقطوعات الأصلية أغنية بدون كلمات، وشعرت أنني انجرفت معها إلى سواحل السويد الباردة، ربما يكون هذا تماماً ما ملأني البارحة، برودة أوروبا، وتصنعها التجريبي.
ليس الأمر وكأن التجريب في حد ذاته جريمة، التطور الفني بحاجة إلى ما هو مختلف في كل مرة، ولكن هذا المختلف، والجيد، يظهر مرة كل دهر، الباقي مزعج، وقابل للنسيان، إن لم يكن قد جرف في النسيان قبل ولادته حتى. ربما يعني هذا في نهاية الأمر أن التجريب سلعة حصرية لا يجب أن تنشر قبل أن توافق عليها استطلاعات السوق، وربما يعني أيضاً أننا قد لا نحتاج إلى هذا السعي الحثيث إلى التجديد. ما الإشكال في أن يبقى العالم قادراً على تقديم فنون (وتحديداً موسيقى) بعدد الحضارات فيه، حين نتحدث عن التجديد فغالباً ما تغمرنا الرغبة في إنتاج ما هو غربي بنكهة محلية لا أكثر، هي محاولة ترجمة تفقد الأصل روحه، وتفقد المترجم اتصاله بذاته. أبحث عن العود على وزن الجاز، أي حراً، لا على وزن الجاز، أي استبدالاً تقنياً للآلات، وإن كان بمقدور الجاز تطويع البيانو، فالباقي مقدور عليه. تذكرت هنا اليابانيين، تمكن الفنانون في اليابان من استنساخ الثقافة الأمريكية، بل وأبدعوا حتى في الجاز، ولكنني لا زلت أبحث عن الياباني، وهو قليل.
كل هذا، كل هذه الأفكار، راودتني البارحة مع كل مقطوعة جديدة، حتى أنني بالكاد أستذكر الموسيقى، ولم يبق لي منها إلا مقاطع سجلتها، ورغبة جامحة في الكتابة. هذا السرحان مصيريّ لي كما يبدو، ولخفة وقعه مع الموسيقى مقابل ثقيل كلما قرأت كتاباً أو انتبهت لفلم، حتى أضطر إلى استعادة ما فاتني، ومراجعة ما ولده السرحان في مذكراتي المنسية. يتجاوز الأمر الحافز للتأليف الموسيقي إلى الشغف الإبداعي، فكلما خلق أحدهم شيئاً، ولو عملاً رديئاً بالكاد أجر نفسي لإكماله، تراودني رغبة الخلق أنا كذلك، وتحاصرني الحاجة إلى الكتابة. لا أجد الفرصة للكتابة مؤخراً، ولكن لكل هذا الشغف أن يتفجر يوماً، وقد يشفي غليله أن تحتفظ ملاحظاتي برؤوس أقلام أدونها في نادٍ للجاز، هنا في ميونخ، حيث الطاولات تزاحم بعضها تحت مبنى لا يميزه شيء، وحيث يعزف رجال ونساء تمجيداً لضجر المدينة وليلها البارد.